المعرفة الباطنيّة GNOSIS    

  تأليف  بوريس مورافييف 

 تعريب وتقديم وتعليق  د/ فؤاد رامز الناشر مكتبة مدبولي 

 
   

عرض لبعض أهم أفكار كتاب

 "المعرفة الباطنية" GNOSIS

تأليف بوريس مورافييف -  ترجمة وتعليق وتقديم فؤاد رامز

 

                 

 

     * إن الغنوصيّة هي المعرفة الباطنيّة، صادرة عن الحكمة السرّية والمحجوبة، تبعاً للكتب المقدسة، وبواسطة تقليد شفهيّ يحيي الحرف. إن الأرثوذكسيّة الشرقية قد حفظت هذا التقليد متكاملا، في مخبأ قاعدة الاستغلاق. إذا كانت هذه القاعدة قد نجحت، في كل مرة، منذ آلاف السنين في الحماية والحفاظ فان الظروف قد تغيرت حالياً. لقد أزيح الستار جزئيّا عن التقليد في المنحنى التاريخي الذي نحن فيه، كما كان قد حدث عند مجيء المسيح. وبالتالي، فقد سُهِلت أبحاث جميع الذين يحاولون بكلّ ما لديهم من قوى أن يتفهموا المعنى الحقيقي للحياة، والذين يريدون أن يفهموا مهمة الإنسان المفروضة عليه في العصر الذي نحن على عتبته.

قال الرب: "أنا الألفا والأوميجا" البداية والنهاية.

يشغل الإنسان مركزا متوسطا بين هذه الحدود. فهو يبدأ من الألفا، الحب الذاتي الزائل. وهذا هو الغرض من المعرفة الباطنيّة أن تشير، تبعاً لذلك التقليد، إلى الطريق الذي يقود الإنسان إلى الأوميجا التي ترمز إلى الحب الموضوعيّ الخالد الذي لا يفنى والمنتصر على الموت.

 

 

    * إن الدراسة التي نقدمها هنا قد أخذت مباشرةً من منابع التقليد المسيحي الشرقي: أي من النصوص المقدسة، والتعليقات عليها وخاصة تلك التعليقات التي تضمنها ذلك العمل الجامع الشامل الذي أطلق عليه اسم الفيلوكاليا، كذلكّ استقت دراستنا أخيرا من التعليم ومن النظم العملية المنقولة عن الأشخاص الذين خولت لهم رسميّا السلطة في ذلك.

 

    * إننا لنعلم جميعا أهمية الأشكال التخطيطيّة القصوى في التقليد الباطنيّ. فإنها قد صممت لكي تسمح بنقل المعرفة عبر الأجيال رغم موت الحضارات.

 

     * فانّ هناك تقليدا (باطنيّا) واحدا فقط. ولن يعدم من يتابع دراساته بتعمّق أن يدرك بإعجاب هذه الوحدة الأصلية. ولكّن المشكلة تبدو في شكل يختلف تماما، بالنسبة للذين يرغبون في تخطى الأبحاث النظرية التجريديّة. فانّ ذلك التقليد (الباطنيّ) الأوحد الأصلي قد ظهر قديما ولا يزال يظهر في أشكال عديدة، يتناسب كلّ شكل منها تناسباً دقيقا مع عقليّة ومع روح المجموعة البشرية التي تتوّجه إليها كلمته ومع الرسالة التي يوكل بتنفيذها إلى تلك المجموعة البشرية.


 

* الاستجابة لنداء الحقّ يوحد بين الأرثوذكس والمسلمين

 

كلّ شيء يتغيّر مع الزمان إلاّ الحقيقة التي هي "ألْفَا" و"أوميجّا" الخليقة. إلا أنّ مكاشفة (الإنسان) بها لا تتّم إلا بالتدريج - وذلك بأن ترسل إشعاعها في (شكل وبلسان) هما الأكثر تناسبا مع عقلّية وثقافة الأنماط البشريّة التي يوجّه الله لها كلمته بفم رسله.

إنّ مسيرة المؤمنين الذين يَفِدَون من كلّ الآفاق، استجابة للنداء الإلهي، كانت تصوّر في التقليد الأرثوذكسي وكأنّها حركة تبدأ من محيط الدائرة (وتتّجه) نحو مركزها الذي تُوضع الحقيقة فيه رمزيّا. ولقد وضّح لنا الكاهن دوروثي هذه الصورة في شكل تخطيطيّ كالتالي:

 

وهو يريد أن يجعل الباحثين يتنبّهون إلى أنّ اقتراب كلّ منهم من الحقيقة سالكا إليها طريقه الخاصّ به، سوف يقرّب بين الجميع بالتدريج (مهما تباعدت نقطة البداية عن بعضها).

 

 

 

   * لقد حاول المؤلف في سلسلة "المعرفة الباطنيّة" أن يعرض بطريقة تناسب العصر الحديث - المذهب الباطنيّ الذي يرجع تبعا للتقليد (المتواتر) - إلى ما قبل الطوفان أي إلى عهد شيث الابن الثالث لحوّاء. ثم تممّ يسوع هذه "المعرفة الباطنيّة" وكاشف بها بطرس ويوحنّا ويعقوب وهى نفس المعرفة الباطنيّة التي حفظتها الأرثوذكسيّة الشرقيّة جيلا بعد جيل في شكل باطني (خفيّ) إلى أن حان الآن الوقت (المناسب) لإزاحة الستار عن سرّيتها.

 

 

       * لن يكون خلاص الإنسان بالمزيد من روائع التقدم الفني للعلوم وان كان لا غنى لنا عنها، لضمان قاعدة مادّية ملائمة للعصر الجديد الذي سوف تتعدّى إمكانيّاته أقصى وأقوى ما يمكن للفنيين المتخصصين أن يتخيّلوه.

 

 

    * إن الخلاص يعتمد على نتائج الأبحاث الاستبطانية التي سيجريها الإنسان في أغوار قلبه ليتعرّف فيه على إنّيته الحقيقيّة التي قد نسيها منذ (عهد) السقطة، ولينطبق عليها.

ينطبق الأرثوذكسيّ - في غمرة الانبهار - على أحاديّة المسيح في أغوار قلبه، المسيح ربّه وابن الله الذي هو النور والروح والحبّ.

كذلك الأمر أيضاً بالنسبة للمسلم الذي عندما يقترب من مركز دائرة الشكل المرسوم أعلاه وقد أتى عبر أفق آخر وأحس في داخله بنفس المكاشفة فقال:

             رأيت ربّىِ بعَينِ قلْبِ           فَقُلْتُ: "منَ أنت؟" قال: "أنتَ"

                  

ديوان الحسين بن منصور الحلاّج

 

 

      * تقع على عاتق الأرثوذكس والمسلمين الذين يسكنون اليوم هذا المحيط، وكلاهما ثرىّ بما لديه من تقاليد (باطنيّة) - مسئولية ضخمة: فانّ مصير الكوكب كلّه يتوقّف على مدى تفاهمهم وعلى ما سوف يقومون ببذله من مجهودات باطنيّة.

 

 

     * إنّ "المعرفة الباطنيّة" لنداء موّجه للجميع بدون أيّ اعتبار للسلالة أو الطبقة أو الجنس أو الديانة، نداء لكي يتحد الجميع (لإنجاز) هذه المهمّة النبيلة، وقد اتجهت أنظارهم جميعا بثبات نحو الحقيقة التي هي وحدة في نفس التنوّع والاختلاف.

 

 

     * كيف نستطيع أن نفسر استبعاد المفكر العقلانيّ الذي اكتشف العديد من المكتشفات الرائعة، واستبعاد عالِم التطبيق الفني الذي استغلّها، لمشكلة موتنا المحتّم من مجال أبحاثهما المستقصاة؟ كيف نفسّر عدم اكتراث العلم بلغز مشكلة الموت، هذا العلم الذي جرأ على اقتحام كل المجالات وادعّى القدرة على تحقيق أيّ شيء؟ كيف نفسّر أنّ العلم قد تمادى في معارضة الدين والتصدي له وان كان أخاه الأكبر بدلا من مضافرة جهوده مع جهود الدين ليحلاّ معا مشكلة الكينونة L’Etre  (الوجود) التي هي في الواقع مشكلة الموت؟

إن وضع البشر لن يتأثر كثيرا أو قليلا إذا مات الإنسان على فراشه أو مات داخل سفينة فضاء.

السعادة؟ ما السعادة؟ أكدت لنا التعاليم أنّ السعادة تدوم على القدر الذي يدوم فيه الوهم... وما الوهم هذا؟ لا أحد يدرى. ولكّنه يغشانا بلا شك من كل جانب.

لو استطعنا أن نعرف ما هو الوهم لاستطعنا أيضا أن نعرف المقابل له أي الحقيقة. ولأعتقتنا تلك الحقيقة من الرقّ.

 

 

     * سيعرض هذا الكتاب مسلمات العلم التقليديّ عرضاً مفصلاً من أجل أن يبيّن بوضوح الروابط التي تربط العلم التقليدي بالعلم الوضعيّ.

فانّ المؤلف مقتنع تماما أنّ الجمع ما بين هذين الفرعين من العلم هو الكفيل الأوحد لحلّ مشكلة الإنسان التي يتوقّف على حلّها حلّ كلّ المشاكل التي تعرض لنا اليوم.

 

 

    * إنّ الحبّ هو أَلْفَا وأُوميجا الحياة. أما الباقي فمعناه وأهميته ثانويتان. يولد الإنسان مع الألْفَا وقد أخذنا على عاتقنا في هذا الكتاب أن نبين للقارئ المسار الذي يوصّل إلى الأوميجا.

 

 

     * الولادة الثانية تبعا للروح وهي الولادة التي لا يستطيع الإنسان بدونها أن يري ملكوت الله، يوحنا 3: 3.

نظراً لأهميّة الولادة الثانية بالنسبة للمسيحية الباطنيّة والإسلام الروحانيّ وتأكيدهما أن الولادة الثانية هي الوسيلة الوحيدة إلى دخول ملكوت الله، وأنها أهم ما في باطنيّة الإسلام كما هي في المسيحية؛ فأننا نذكر هنا بعض مقاطع من كتب كبار شيوخ الإسلام والتي تفسر الولادة الثانية وتشرح أهميتها وتبين تقارب الدينين الموحدين في الطريق إلى ملكوت الله:-

الولاية، فهي باقية أبد الدهر، في أشخاص أولياء الله المقربين. وهؤلاء الأولياء، الذين هم مظاهر خالدة وحية للإنسان الكامل، عند ابن عربي، هم أنبياء بكل معنى الكلمة، وعلى مدى العصور. ولكنهم الآن، بعد ظهور الشريعة المحمدية، هم أنبياء ولاية، لا أنبياء شريعة. فمهمتهم في الوقت الحاضر، وبعد مجيء الإسلام، مقصورة على الوظيفة الأساسية الثانية للإنسان الكامل، أ لا وهي تحقيق الولادة الثانية للفرد البشري، التي بها وعن طريقها يتم عروج المرء إلى ملكوت السموات، أي تحقيق إنسانيته الكاملة، وحريته الخالدة، وسلامه الأبدي. "شرح فصوص الحكم" للعارف المتأله الولي السيد حيدر الآملي ص 11.

فكما أن وجود البدن في الولادة الصورية يتولّد في رحم أمّه من نطفة أبيه. فكذلك وجود القلب في الولادة الحقيقية يظهر في رحم استعداد النفس من نفحة الشيخ والمعلم، وإلى هذه الولادة أشار عيسى عليه السلام بقوله: "لن يلج ملكوت السموات من لم يولد مرتين". تفسير القرآن الكريم – محي الدين بن عربي ص 180.

ومن آياته انك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت (فصلت 39) فقس على إحياء الأرض بعد موتها بالماء، واهتزازها بالنشو والنماء، إحياء النفوس الإنسانية التي هي أرض الحقائق بعد موتها للجهالة، وانغمارها في أرض الطبيعة وحفرة البدن بماء حيوان العلم، وتنويرها بنور المعرفة الوجبة لنشوها في أرض الآخرة، ومشيها في عالم النور، كما قال: أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها (أنعام 122) "مفاتيح الغيب" للحكيم الإلهي والفيلسوف الرباني صدر الدين الشيرازي  ص 431.

وإنما يطلع على أحوال الملكوت من خرج روحه عن يطن هذا العالم السفلي بالولادة الروحانية كما قال المسيح عليه السلام: لا يلج ملكوت السماء من لم يولد مرتين. "مفاتيح الغيب" للحكيم الإلهي والفيلسوف الرباني صدر الدين الشيرازي  ص 338.

فإذا قويت بصيرته وتكحلت عين قلبه بنور الهداية والتوفيق كما هي عند القيامة. "مفاتيح الغيب" للحكيم الإلهي والفيلسوف الرباني صدر الدين الشيرازي  ص 657 (المعرّب).

 

 

 

 

      * إلاّ أنّنا قد سبق أن رأينا أنّ الإنسان الخارجيّ يعيش غائبا عن نفسه، يعيش في الأحلام: أحلام الليل وأحلام النهار.

إنّنا ننام في الحياة بل ننام نوما عميقا. فكيف نخرج من الوجهة العمليّة من مثل هذا الموقف؟ انّه لأمر صعب وهاك أسباب صعوبته. إنّ الإنسان النائم يحتفظ في نفس الوقت بتجربة حياته وهو في حالة الصحو وبذكرى اسمه الذي هو رمز لشخصيّته. فيسمح له ذلك عندما يقوم من نومه أن يعثر من جديد بلا صعوبة على وعيه أثناء الصحو. إلا أنّه لكي يعبر من وعيه أثناء الصحو إلى مستوى الوعي الأعلى أي إلى الوعي بالإنيّة الحقيقيّة يعوزه العنصران الأساسيّان التاليان: خبرة الحياة ومعرفة الاسم الخاصّين بذلك المستوى (الأعلى). فإذا عمل الإنسان بلا تراخ "كالحلزون في العمق" وأخذ يطبق باستمرار تلك المشاهدة التي تتضمّن وتفترض مجهوداً واعيا لكي يصل إلى حالة الحضرة ويرتفع بعد ذلك إلى حالة الحضرة في حد ذاتها، سوف يمكنه أن يبلغ الولادة الثانية ولادة الفردية وهو ما يعنى التحاماً لا يمكن أن ينحلّ للشخصيّة وقد تطوّرت ووُلِدّتْ بالإنيّة الحقيقيّة. فيحصل من هذه الآونة على اسمه الجديد ويتعرّف بالتدريج على التجربة الجديدة التي لم يكن من ذي قبل يتصوّر وجودها والتي يشير إليها سفر الرؤيا:

لمن سينتصر لأعطينّ ... حجرا أبيض دُوّنَ عليه اسمه الجديد الذي لا يعرفه سوى من يُعطى إيّاه    " سفر الرؤيا، 2: 17".

 

 

 

     * لنفحص الآن - قبل أن ننتقل لفحصٍ أعمَقَ لمشكلة الارتقاء وشروطها - لِنَفْحَصْ توصية هامّة يجب أن نعمل بها منذ البداية وحتّى الولادة الثانية. هذه التوصية هي إحدى القواعد الذهبية في التقليد: على الإنسان أن يزاوج (وان يجمع) ما بين عمل المركزين العقلي والانفعالي. وهذه هي كيفيّة الوصول لذلك:-

إذا كانت المسألة المطلوب دراستها وحلّها تقع في حيز المجال العقليّ، على الإنسان بعد أن يكون ألمركز العقليّ قد أضاء (جميع جوانبها) وقبل أن يتبنّى النتيجة أو القرار النهائيّ لينتقل إلى الفعل عليه أن يستشير مركزه الانفعاليّ. كما أنّه يجب على العكس ألاّ يتصرّف وهو تحت تأثير دفعات أو تأثير المركز الانفعاليّ لوحده: بل عليه ألاّ يشرع في العمل إلا بعد أن يستشير مركزه العقليّ.

يجب على الإنسان بصفة عامّة أن يربّى في داخله بكل عناية مقدرته على تفهّم أيّة ظاهرة أو مشكلة من مشاكل العالم الخارجيّ أو الداخليّ بواسطة مركزيه الانفعالي والعقلي في نفس الوقت.

 

 

 

     * يتوقّف نمو الشخصيّة الطبيعيّ قبل أن يتمّ بفترة طويلة: فانّ لهذا النموّ حدّا فرديّا يتوقّف على مجموع عدد من العوامل يمكننا أن نذكر من بينها الحضارة والجنس (البشرىّ) والطبقة والبيئة العائليّة والاجتماعيّة وأخيرا التربية والتعليم.

لا يمكن أبدا أن يتعدّى تطوّر الشخصيّة الحدّ المذكور بدون مجهودات واعية ومتّصلة. إنّ كلّ ما يأتي به الإنسان عند ولادته استعدادات (فقط) أي بعبارة أخرى هبات. تظهر تلك الاستعدادات جليّة بنموّ الشخصيّة. ولكنّ الأمر يتوقّف عند ذلك الحدّ. يجب من اجل دفع تطوّرها القيام بمجهودات واعية.

 

 
       
       
           

This Page is built by SB technology